أخر الاخبار

مذكرات البارون كوسيل ربع قرن في مصر

 كتب الأستاذ/ أشرف الخمايسي

لم يسبق أن قرأت كتابا وكرهت مؤلفه كما حدث مع كتاب "ربع قرن في مصر"، ومؤلفه "صموئيل سيليج كوسيل"، المعروف بالبارون "كوسيل".

الكتاب في 464 صفحة من القطع المتوسط، طباعة جيدة، بترجمة ممتازة للأستاذ "محمد ثابت"، وبتقدمة وتحقيق رشيقين للأستاذ "وليد كساب"، وهو أحد إصدارات دار نشر واعدة، اطَّلعت على معظم عناوينها في معرض القاهرة للكتاب الدورة المنصرمة، فوجدتها عناوين قيمة، تشي بأن الناشر، دار "إشراقة" للنشر والتوزيع، يضع قدميه على طريق صحيحة، تستهدف القيمة أولا.

وقد كرهت البارون "كوسيل"، واتهمته بالعجرفة، لأنه قدم نفسه في كتابه هذا ـ وهو مذكرات أوضح الأستاذ كساب في مقدمته لها أن عنوانها الأصيل هو: "ذكريات رجل إنجليزي عن مصر من 1863م إلى 1887م" ـ مساعدا رئيسا في وقائع الاحتلال الإنجليزي لـ"مصر"، وقت ضرب الأسطول البريطاني لـ"الإسكندرية"، وكان وقتها موظفا كبيرا في الجمارك، مراقبا عاما، ويشرف على خزانتها في الميناء، وحكى كيف استطاع خداع "عرابي"، الذي أراد الاستيلاء على أموال الجمارك، ليتقوى بها في مواجهة الاحتلال، لكن "كوسيل"، الإنجليزي الجنسية، كان مفوضا بإرسال الأموال إلى "مكتب الدين العام"، المكتب الذي أنشئ بمعرفة الدول الدائنة لـ"مصر" في عصر الخديوي "إسماعيل"، وتديره "فرنسا" و"إنجلترا"، وحرمه من الأموال المصرية.

عاش هذا البارون القميء 19 سنة في "مصر" قبل الاحتلال، (يلهط) في خيرها بصفته، أجنبيا ينص لا يدفع الضرائب بنص القانون! ويتمتع بامتيازات لا يتمتع بها المواطن المصري دافع الضرائب، والخاضع للجباية، مع ذلك يقر ويعترف، "كوسيل"، بأن تلك الفترة، التي عاشها في "مصر"، منحته خبرات ومعلومات قدمها طواعية لقائد الحملة البريطانية، فساعدت في ضرب تحصينات "عرابي"، والانتصار، واحتلال"مصر"، ما يعني أن البارون خائن لـ"مصر"، استحق المحاكمة، غير أن ما حدث كان أعجب من الخيال: شكره الخديو "توفيق"، كونه منع "عرابي" من الاستيلاء على أموال الجمارك، بل وحصل البارون على أوسمة مصرية تؤكد على صداقته المخلصة لـ"مصر" وملكها. بل واستعرض الملك المصري (الخروف) قوات الغزاة الأجانب في ساحة قصر "عابدين"، محتفلا بها!

احتفى البارون القميء بكل مصري تعاون مع الاحتلال الإنجليزي ورحب به، فقد كان في ذلك الزمان، كما في كل زمان، صنف من النخبة المثقفة "مستنور" بطبعه، منبطح للمستعمر، وبنفس الزعم: إن المستعمر متقدم علميا وحضاريا، بينما المسلمون يغطون في نوم عميق، وهي المقولة الخادعة خداع "الأكليشيهات"، وإذا صحت لا تعني أبدا الترحيب بالغزاة، إذ الحر يموت مواطنا متخلفا، ولا يعيش محتلا متقدما.

"هي أشياء لا تشترى".

احتفى البارون القميء بالخديو "إسماعيل"، ربيب الثقافة الغربية، وبابنه الخديو "حسين كامل"، وقد عينه الاحتلال ملكا على "مصر"، فقرر أن يكون خادما مطيعا للإنجليز، وهكذا، ما من شخصية مصرية من شخصيات "النخبة" إلا وأعلنت ترحيبها بالاحتلال الإنجليزي، قبل أن تكرر ترحيبها بقرار الحماية البريطانية على "مصر"، كي تفسد الخطط العثمانية في استعادة "مصر" إلى عقد الخلافة المنفرط؛ في ذات الوقت سخر البارون من "عرابي" لا لشيء سوى أنه مثير للتمرد، (لا مدافع عن وطنه كما يجب أن يتم النظر إليه)، وهاجم الخديو "عباس حلمي" الذي لم يقبل بالاحتلال، فكان أن خلع لصالح (المتأنجلز) "حسين كامل".

هكذا كتب البارون "كوسيل" كتابه بروح إنجليزي محتل، فاستساغ، مثلا، الإنذار الذي أرسله قائد الأسطول الإنجليزي يحذر فيه "عرابي" من تشييد تحصينات على شواطئ "الإسكندرية"، ووأنه سيتم التعامل معها باعتبارها خطر على الأسطول الإنجليزي! وكأن قائد الحملة المعتدية هو صاحب الحق، و"عرابي" صاحب الوطن باطل!

ولأن الكتاب مذكرات شخصية كان طبيعيا أن يقدم صورا متفرقة، (غير مفصلة، أو مشبعة)، لطبيعة الحياة في بعض البلاد المصرية، خصوصا "رشيد"، و"كفر الزيات"، و"بورسعيد"، و"الإسكندرية"، عن الموالد، وبعض المناسبات الريفية، والاضطرابات في "الإسكندرية"، والأوبئة، وشيئا من القصص الإنسانية التي جرت بينه وبين أفراد من العرب والمصريين والأجانب.

والكتاب، على كرهي له ولمؤلفه، إلا أنه ماتع، مشوق، ويكشف أشياءً من التاريخ القريب، إذا تأملها القارئ المصري لن يكون بوسعه سوى حمد الله على أن "مصر" عادت مصرنا، لا "مصر" أولاد الهرمة من "الأتراك" و"الإنجليز". وأن المصري، الذي يواجه عنت حكم ما بعد حركة "23 يوليو"، يتمتع بمواطنة حقيقية لطالما افتقدها قبل هذا التاريخ المجيد.

رغم كل شيء.

"مصر" تتقدم.

والحقيقة أنها تتقدم ببطء، لكنه البطء الذي، ربما، يلزم حركة الأوطان "العظيمة".

مذكرات البارون كوسيل ربع قرن في مصر


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -